بقلم / عابد المهذري
*سأكتب عن حزني وأوجاع الناس. عن صعدة والوطن مفقوء العين. عن أهلي هناك.. عن الأصدقاء والأحبة.. عن الحرب الملعونة وهي تنقضُّ كوحش جائع يغرس أنيابه ببشاعة في كبد الضحية.
نيران الاقتتال "السياسديني" هي الوحش ونحن الضحايا.. نحن أبناء اليمن جميعاً.. وكلنا مواطنو محافظة صعدة.. المحافظة التي ما أنْ تتماثل جفونها الواجفة للحظات آمنة حتى يقض مضجعها دوي قذيفة مدمرة.
وأنَّى لجفون صعدة أن تغمض في هدوء وطمأنينة؟ أنَّى لأهلها الخروج من منازلهم صباحا والعودة مساء بسلام؟؟ أنَّى لضحكات الأطفال أن تعاود تلوين القرى وأن يعود عناق الفلاحين مع عصافير المزارع حاراً كما كان؟؟ أنَّى للأمهات النوم بلا قلق على فلذات الأكباد؟؟ أنَّى للصعديين الحياة بلارئتين وعينين وقفص صدري؟؟ أنَّى للأحياء هناك والاحساس بالوجود على قيد التنفس؟؟ أنَّى لصعدة أن تعود لصعدة؟؟ وعجوة العقل لم ترجع بعد إلى مجانين الاحتراب؟؟
*لا داعي للتذكير بما مضى في خمس حروب سابقة..ولا طائل من استعراض عضلات القراءة والتحليل السياسي عما يدور حالياً في النسخة السادسة من معارك النزيف الدامي.
بصراحة: أشعر بالخجل يصفعني يومياً على مدار الساعة.. أستحي من نفسي كلما وجدتني أعيش مرتاحاً -هذه الأيام- في صنعاء ومحافظتي تحترق.. استحي من قلمي كلما هدهده هاجس الكتابة فيتسمر كـ"الأبلة" بين أصابع ترتجف خوفاً.. أستحي من روحي عندما لا أجد غير الدموع –شيئاً آخر- أبدد به وحشة التأمل لأوضاع مأساوية آلت إليها أرضي وديرتي. وهل أملك شيئاً غير الدموع؟!
ربما الكتابة بمداد القلب قد تكون البديل المناسب.. لكن بكاء القلوب الثكلى يظل هو الصوت الأقوى.. الكلمة الأعلى.. التعبير الأوضح.. الدعاء المستجاب. إنه الأنين.. الزاد اليومي لسكان صعدة.. إفطار النازحين.. وسحور المحاصرين.. قوت المشرد وفتات الغائب البعيد.. ولا شيء غير الأنين والنحيب يمكن الإصغاء إليه.. سوى هدير المقاتلات الحربية.. أزيز الرصاص.. ضجيج المدافع.. جلجلة الجنازير.. وتهليل الجنائز.
لقد انفطر الفؤاد وارتوى التراب بالدماء.. لقد شبعت المقابر.. واكتفى عزرائيل بما قطف من خيرة الأغصان.. فلماذا هذا الإصرار على إهدار الثمار؟!
*قد يكون من غير اللائق حشو هذه السطورالإنشائية بتفاصيل ذات ارتباط شخصي.. وإن كنت أراه مناسباً –إلى حد ما- مدخلاً يستخلص صور المعاناة ولا يلخصها.. مع أن مصيبتي -مقارنة بمصائب الآخرين- أهون وأخف إلى أبعد مدى..
ويبقى استحضار التفاصيل كفيلا باستحواذ الحيرة على كل الحواس.. فكيف أقص فواجعي ومن أين ابتدئ.. أمن وسط منزلي المكتظ بالتوجُّس ودعوات النجاة؟ أم من شوارع حارتي المذعورة بما قد يحدث أو من طرقات قريتي المدفونة تحت ركام القصف؟ من الذكريات الجميلة لأصدقاء راحلين.. أم من حكايات المتبقين منهم بانتظار الأكفان؟ يا للخسارة الفادحة!! ففي كل زمان ومكان يتكاثر الأصحاب وتنمو الصداقات مع مرور الوقت.. إلا في صعدة.. فالأصدقاء يتناقصون بالقتل.. ومن أرشيف الذاكرة تغيب عشرات الملامح والوجوه.. وأمسح من ذاكرة الهاتف باستمرار أسماء وأرقام أحِبَّةٍ غادروا –فجأة- قبل الأوان.. حتى صار الطمس والمسح عادة سيئة عندي ليس أسوأ منها سوى أسبابها.
*لو قلت لكم: إني لا أعلم إلا قليلاً جداً من كثير يحدث في صعدة.. هل ستصدقون؟!
معظم الزملاء لا يتقبلون إجابتي السلبية عندما يبحثون عن خبر صحفي أو يستفسرون حول حدث ومعلومة.
أقسم: إنها الحقيقة.. لا أتابع ما يجري في ميدان المعارك إلا كما يفعل المار العابر.. أهرب من الاستقصاء والتتبع؛ خشية من ازدياد الفواجع.. وأنا الذي يحمل لي كل اتصال أو خبر فاجعة جديدة.. استقبل المكالمات فأعلم عن مقتل وجرح أصدقاء.. أقرأ الصحف والإنترنت فأعرف مصرع رفاق ومعارف وإخوة.. أشاهد الفضائيات فأصعق بأنباء تدمير مناطق وخراب أمكنة وُلِدتُ ونشأتُ بين ثراها الطاهر.. حتى الاتصال مع والدي الفاضل ووالدتي الغالية أعمل جاهداً على اختصاره ما استطعت للحيلولة دون سماع ما لا أحبذ سماعه ومعرفته.. يهزني الشوق لطفلتي الصغيرة فَتُلْجِمُني صعوبات الفيافي والقفار.. كيف أفعل للاطمئنان على أسرتي وغيري آلاف وآلاف.. لم يعد أمامهم من حيلة وقد قُطعت ا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ